الذهبي

691

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وأما الوزير فغشي عَلَيْهِ ، ولُفّ إياز في مسحٍ ، وألقي عَلَى الطّريق ، فركب أجناده وشغبوا ثم تفرقوا ، وهذا أمر جره المزاح ، نسأل اللَّه السّلامة ، ثمّ أخذه قوم من المطّوّعة ، وكفنوه ودفنوه ، وعاش نحو الأربعين ، وكان من مماليك السّلطان ملكشاه ، وكان شجاعًا غزير المروءة ، ذا خبرة بالحروب ، ثمّ قتلوا وزيره بعد شهرين . وفيها هلك الطّاغية صَنْجيل الّذي حاصر طرابلس في هذه المدة ، وبنى بقربها قلعة وكان من شياطين الفرنج ورؤوسهم ، ووصل إلى الشام ليحج القدس ، فأخذ بأرض صيدا وذهبت حينئذٍ عينُه ، ودار في بلاد الشّام بزيّ التُّجّار ؛ فلمّا تُوُفّي السّلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده ، وجمع الفرنج للحج ، وقدم أنطاكيّة ، وحارب المسلمين مرّات ، وتمكّن ، ثمّ شنّ الغارة من حصنه ، فبرز لَهُ ابن عمّار من طرابُلُس ، وكبس الحصن بغتةً ، فقتل من فيه ، ورمى النّيران في جوانبه ، ورجع صَنْجيل ، فدخل الحصن ، فانخسف به سقف ، ثمّ مرض وغُلِب ، فصالح صاحبَ طرابُلُس ، ثمّ مات في سنة ثمانٍ ، فقام بعده ابن أخيه ؛ وجَد في حصار طرابُلُس ، والأمر بيد الله تعالى . وفيها توفي الأمير سُقْمان بْن أُرْتُق ، وقد كان فخر الملك ابن عمّار صاحب طرابُلُس كاتبه واستنجد بِهِ ، فتهيأ لذلك ، فأتاه وهو عَلَى العزْم كتاب طُغْتِكِين صاحب دمشق : بأنّي مريض أخاف إنّ متّ أن تملك الفرنج دمشق ، فاقدم علي ، فبادر إلى دمشق ، ووصل إلى القريتين ، وأسقط في يد طُغْتِكِين وندم ، فلم ينشب أنّ أتاه الخبر بموت سُقْمان بالقريتين بالخوانيق ، وكانت تعتريه كثيرًا ، فمات في صَفَر ، ورجع بِهِ عسكره ، ودُفن بحصن كَيْفا ، وكان دينًا حازماً مجاهداً ، فيه خير في الجملة . وفيها ثار الباطنية بخراسان ، ولم يقفوا مع الهدنة المذكورة فعاثوا بأعمال بَيْهق ، وبيَّتوا الحُجّاج الخُراسانيّين بنواحي الرَّيّ ووضعوا فيهم السيف ، ونجا بعضهم بأسوأ حال . وقتلوا الإمام أبا جعفر ابن المشاط أحد شيوخ الشافعية ، كان يعظ بالرَّيّ ، فلمّا نزل عَن الكرسيّ وثب عليه باطني فقتله . وفيها كانت وقعة بين الفرنج ورضوان بْن تُتُش صاحب حلب ، فانكسر رضوان ؛ وذلك أنّ تنكري صاحب أنطاكيّة نازل حصنًا ، فجمع رضوان عسكراً